عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

36

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

فالجواب ، ما أجاب به الإمام أحمد بن حنبل رضى اللّه تعالى عنه لما قيل له : يا أبا عبد اللّه ، إن الصحابة لم يرو عنهم من الكرامات مثل ما قد روى عن الأولياء والصالحين ، فكيف هذا ؟ فقال : أولئك كان إيمانهم قويا فما احتاجوا إلى زيادة شئ يقوّون به ، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفا لم يبلغ إيمان أولئك ، فقوّوا بإظهار الكرامات لهم * قلت : وفي هذا المعنى قال بعض الشيوخ الكبار في كرامات مريم ابنة عمران كانت في بدايتها يتعرّف إليها بخرق العادات بغير سبب تقوية لإيمانها ، وتكميلا ليقينها ، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، فلما قوى إيمانها ، وكمل يقينها ، ردّت إلى السبب ، وقيل لها ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) * وكذلك قال الشيخ الإمام العارف باللّه المحقق ، شيخ الطريقة ولسان الحقيقة شهاب الدين السهروردي رضي اللّه عنه : وخرق العادة إنما يكاشف به لوضع ضعف يقين المكاشف رحمة من اللّه تعالى لعباده ثوابا معجلا لهم ، فلا حاجة لهم إلى مدد من المخرقات ، ورؤية القدرة والآيات ، ولهذا المعنى ما نقل عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كثير من ذلك إلا القليل ، ونقل عن المتأخرين من المشايخ والصادقين أكثر من ذلك ، لأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لبركة صحبة النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ومجاورة نزول الوحي ، وتردّد الملائكة وهبوطها ، تنوّرت بواطنهم ، وعاينوا الآخرة ، وزهدوا في الدنيا ، وتزكت نفوسهم ، وانخلعت عاداتهم ، وانصقلت مرايا قلوبهم ، فاستغنوا بما أعطوا عن رؤية الكرامة ، والتماع أنواع القدرة ، ومن بلغ من قوّة اليقين هذا المبلغ ، يرى في إجراء عالم الحكمة ما يرى الغير من القدرة ، ويرى القدرة ممكنة ، بل متجلية من سجف الحكمة ، فلو تجرّدت له القدرة ، وانكشفت له ما استغرب ، والمستغرب للقدرة يقوى يقينه بها ، لأنه محجوب بالحكمة عن القدرة ، قال : وقد تكون للأولياء أنواع من الكرامات كسماع الهواتف من الهواء ، والنداء من بواطنهم ، وتطوى لهم الأرض ؛ وقد تنقلب لهم الأعيان ، وقد ينكشف لهم ما في الضمير ، ويعلمون بعض الحوادث قبل تكوّنها من بركة متابعتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأوفر الناس حظا من الصحبة والقرب والعبودية ، أوفرهم حظا من متابعته صلّى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه تعالى ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) * قال : وكرامات الأولياء من تتمة معجزات